البوابة السعودية للموارد البشرية

الاتجار بالبشر ضحاياه العمال والخادمات.. وتعديلات "العمل" الجديدة أنصفتهم

يعكس استحداث وزارة العمل إدارة جديدة مختصة بمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، حرص السعودية على التصدي لتلك الممارسات الإجرامية، والتي قد يرتكبها البعض دون وعي أو دراية بخطورتها وتأثيرها على دولته. بالرغم من أن السعودية استوفت كافة المعايير الكافية للحماية فيما يتعلق بالاتجار بالأشخاص، ووضعت الكثير من التشريعات والعقوبات الصارمة، بيد أنه ما زال ينقص المواطن الثقافة والوعي الحقوقي.

وعلى الجانب الآخر هناك انتقادات موجهه إلى هيئة حقوق الإنسان لتراجع دورها في نشر الوعي والثقافة في المجتمع حول الكثير من الممارسات التي تقع تحت طائلة الاتجار بالبشر، وفي هذا السياق يطالب مختصون وسائل الإعلام بنشر الوعي وتثقيف المجتمع بمخاطر الانزلاق بمثل هذه الجرائم، ودعوا خطباء المساجد وأهل الرأي إلى التركيز على حقوق الفرد وواجبه ودوره تجاه المجتمع. "سبق" بدورها تفتح القضية للنقاش.

تقارير دولية

تعد تجارة البشر ثالث أكبر تجارة إجرامية في العالم بعد تجارة المخدرات، وتجارة السلاح، حيث تشكل بالنسبة لعصابات الإجرام المنظم مخاطر أقل من تجارتي المخدرات والأسلحة، وسط توقعات عالمية بأن تتقدم تجارة الأشخاص على تجارة الأسلحة في المستقبل القريب. وبحسب التقرير العالمي عن الاتجار بالأشخاص الذي أعده مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات، فإن ملياري شخص حول العالم مورست عليهم جريمة الاتجار بالبشر دون أن يتعرض الجناة للعقاب، وأشار إلى أن %70  من الضحايا نساء وفتيات، و%30 منهم رجال وصبية.

إرضاء الكفيل

تواصلت "سبق" مع أحد العمال، يدعى إسماعيل مهدي، وقال: أدفع إلى كفيلي 10 آلاف ريال سنويا مقابل السماح لي بالعمل بعد أن فصلني، واشترط علي العمل تحت كفالته ويجدد لي الإقامة سنويا بهذا المبلغ، وظل الحال هكذا أكثر من 5 سنوات، وفي كثير من الأحيان كان يطلبني لعمل الكثير من الالتزامات دون مقابل لمجرد أني تحت كفالته، وبفضل التعديلات في قانون العمل، استطعت أن أنقل كفالة دون موافقته، مؤكداً أن العمل أنصف الكثير من العمال الذين كانوا يتعاملون بالسخرة أو بدون مقابل لإرضاء الكفيل.

أما أم أنس فقالت لـ"سبق": في ظل أزمة الخادمات أجبرت زوجي على شراء تأشيرة خادمة من أحد أصدقائه الذي تنازل عنها بـ 5000 ريال، ورغم اعتراض زوجي في البداية، بيد أن إصراري جعله يوافق وتعيش معي منذ أكثر من 3 أعوام، وترى أنه أمر متداول وليس له علاقة بالاتجار بالبشر.

تصحيح الصورة

من جهته أكد رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان الدكتور مفلح القحطاني، أن الشريعة الإسلامية تحرم الاتجار بالبشر، وصدر نظام يجرم هذا العمل، كما تم فرض جملة من العقوبات تصل إلى 15 سنة، لافتا أن هناك بعض التصرفات يرتكبها بعض الأشخاص تسيء إلى اسم المملكة دون وعي. وقال: قد يجهل البعض أن احتجاز جواز العامل وعدم دفع الراتب وغيرها من التصرفات، تقع ضمن جرائم الاتجار بالبشر، موضحا أن الجمعية تهتم بثقيف المجتمع في تلك الأمور التوعوية، وهناك اهتمام حكومي كبير بجرائم الاتجار بالبشر، وقد أصدرت الكثير من الأحكام مؤخرا وتم تشديد العقوبات إذا تم إثبات جريمة الاتجار.

وبسؤاله عن أسباب وضع السعودية في المرتبة الثالثة وفق التقرير السنوي لهذا العام، رغم كل الجهود المبذولة لتصحيح الصورة الذهنية المغلوطة، أجاب قائلا: التقارير الدولية غير محايدة، وخاصة التقارير التي تصدر من وزارة الخارجية الأمريكية وبعض المنظمات، مؤكداً أن السعودية أوفت كافة المعايير الكافية للحماية فيما يتعلق بالاتجار بالأشخاص.

تصنيف عادل

وأضاف: لدينا قانون وقضاء عادل ملتزم بالشريعة الإسلامية التي حرمت الاتجار بالأشخاص، معربا عن أمله في أن يكون هناك تصنيف عادل، حتى تحظى المملكة بتصنيف أعلى من الذي هي عليه، وعن دور الجمعية قال القحطاني: الجمعية تبين وجهات النظر من خلال اللقاءات الدولية وعبر ممثلين وسفراء الدول. كما أوضح مصدر مطلع داخل الجمعية، أن سوء فهم البعض يجعله يسيء التعامل مع العمالة المنزلية والعمالة الوافدة، وعن أبرز صور الاتجار بالبشر، قال: الاحتفاظ بالأوراق الثبوتية واحتجاز العمالة أو الاستفادة من وراء العمالة المنزلية، وأيضا تشغيل العمل بالسخرة، موضحا أن جميعها تقع ضمن جرائم الاتجار بالبشر.

نقص الوعي الحقوقي

تواصلت "سبق" مع المحلل السياسي والحقوقي زهير الحارثي، الذي أكد أن الاتجار بالأشخاص أمر خطير وحساس في نفس الوقت، ولفت إلى أن الدولة اهتمت منذ سنوات بهذا الموضوع، ووضعت التشريعات المواجهة لهذه الجريمة، لافتا أن هناك نقلة نوعية في التشريعات السعودية .وأوضح أن المشكلة تكمن في نقص الوعي الحقوقي وضعف الثقافة الحقوقية، ما أدى إلى ظهور الثقافة المغلوطة في الخارج، حيث يتم ارتكاب ممارسات من بعض الشرائح، دون وعي بخطورتها وتأثيرها على وضع المملكة السعودية دوليا. وطالب الحارثي بالعمل على برنامج توعوي تثقيفي يتم تفعيله، يهدف إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة، وردا على تصنيف السعودية بالنسبة لجرائم الاتجار بالأشخاص، قال: ما يشاع غير صحيح والأرقام لا تعكس سلوكا مجتمعيا، فهناك أخطاء ترتكب وتمثل انتهاكات حقوقية، بيد أنها حالات فردية لا يمكن أن يقاس عليها. وعاد وأكد على أن الدولة وضعت تشريعات عدة تتعلق بهذا الأمر وتم تطبيقها.

تحجيم القضية

وأنحى باللائمة على هيئة حقوق الإنسان، حيث تراجع دورها بشكل لافت، رغم أننا في أمس الحاجة للتفاعل مع المجتمع، واضعا الكثير من علامات الاستفهام حول أسباب تراجع دور المنظمات الحقوقية داخل السعودية. وطالب بضرورة وجود تعاون مع جهات مختلفة لتثقيف المجتمع، فوزارة التعليم عليها دور في التوعية والتثقيف، كما أنه ينبغي أن تستغل وزارة الشؤون الإسلامية المساجد، فهناك 70 ألف مسجد يقام عليهم خطبه، وتساءل لماذا لا تستغل المنابر في التوعية بخطورة جرائم الاتجار بالبشر. وردا على الهدف من استحداث إدارة تتعلق بجرائم الاتجار بالأشخاص، أجاب قائلا: استحداث الإدارات يعمل على تحجيم القضية، وعلى الجميع التفاعل معها، بيد أنه ينبغي أن تلعب دورا فعالا بخطة ورؤية واضحة، حتى لا تصبح مسميات بلا فائدة.

تشديد العقوبات

اتجهت "سبق" إلى المحامي ريان مفتي للتعرف على العقوبات المتخذة في حالة إثبات جريمة الاتجار بالأشخاص، وقال: "الاتجار بالبشر" من القضايا التي بات العالم يلتفت لها لأضرارها الاقتصادية، والاجتماعية، والإنسانية؛ كاستغلال الفقراء في الدعارة، والتسول، وتقييد حريتهم، وعدم دفع الأجور، وتجنيدهم في النزاعات المسلحة سواء باستعمال السلطة أو استغلال حالة ضعف إنساني ما.

وأوضح أن مجلس الوزراء السعودي أقر نظام مكافحة جرائم الإتجار بالبشر في عام 2009، كما قرر تشكيل لجنة في هيئة حقوق الإنسان من ممثلين لجهات حكومية لمتابعة أوضاع ضحايا الاتجار بالأشخاص لضمان عدم معاودة إيذائهم، كما حظر النظام الجديد الإتجار بأي شخص بأي شكل من الأشكال بما في ذلك إكراهه أو تهديده أو الاحتيال عليه أو خداعه أو خطفه أو استغلال الوظيفة أو النفوذ أو إساءة استعمال سلطة ما عليه أو استغلال ضعفه أو إعطاء مبالغ مالية أو مزايا أو تلقيها لنيل موافقة شخص له سيطرة على آخر من أجل الاعتداء الجنسي أو العمل أو الخدمة قسراً أو التسول أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء أو إجراء تجارب طبية عليه.

وأكد في نهاية حديثه لـ"سبق" على عقوبة كل من ارتكب جريمة الاتجار بالأشخاص والتي تصل إلى السجن مدة لا تزيد على 15سنة أو بغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بهما معاً وتشدد العقوبات المنصوص عليها في هذا النظام في عدد من الحالات منها إذا ارتكبت ضد النساء وذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال.

المصدر: صحيفة سبق