البوابة السعودية للموارد البشرية

الموارد حقيقة أم وهم

المهندس / مصطفى محمد المهدي

 
الإثنين 20 مارس 2017

كل صيف، كانت فعاليات البرامج الإثرائية للموهوبين في المملكة تُنَفَذُ في هدوء وتُأَدَة  غير آبهةٍ ولا تبحث عن الأضواء ولا الظهور – المترف - حتى لاتحترق تلك الزهور التي كانت تنمو وتزهر  وتزدهر في صوباتها المخبرية!   لقد حظيت تلك البرامج على مر السنون برعاية مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع (موهبة) ودعم وتنفيذ متميزين من العديد من الشركات والمؤسسات الوطنية.  تلك البرامج التي كانت جزءاً من العديد من البرامج المرتبطة باستراتيجية رعاية الموهبة في المملكة – كانت في حقيقتها عملية تنقيب وتعدين في مناجم الوطن عن أهم الثروات والموارد على هذا الكوكب، إنها الثروة الحقيقية لكل وطن وإنها الوطن الحقيقي لمصادر التفوق والاستدامة لمن يبحث عن القيمة المضافة في كل فن وعلم.    ولعلنا نجد في الرياضة مبتغانا للاستدلال على ماتمثله الموهبة البشرية من تفوق حال اكتشافها في الوقت المناسب والمرحلة العمرية المناسبة. إن الرياضة وخصوصاً  كرة القدم أنموذجاً واقعياً لتفوق العنصر البشري – بعيداً عن نموذجها على منصات الألعاب الإلكترونية – بالفعل إنها أيقونة لمنظومة على مستويات الإدارة والقيادة والنجاح وهي – أي الرياضة – تتفوق على الكثير من المنظمات والمؤسسات والشركات – في كونها تلتزم في أغلب الأوقات منهج المنظمة المتُعَلِمة Learning Organization  إبتداءً من اختيار اللاعبين والجهاز التدريبي، مروراً بخلق التجانس والتفاهم والأهداف المشتركة للاعبين، وكذلك بناء اللياقة البدنية والذكاء العاطفي في التعامل مع الفرق الأخرى وتفادي إصابات الملاعب والتكيف مع الظروف الجوية وغيرها والتفاعل مع المحيط من حكام وجماهير  مساندة وأخرى مضادة وصحافة ووسائل تواصل اجتماعي تتابع النتائج وتمدح وتقدح وتلهث خلف كل صغيرة وكبيرة. وعليه فالقيادة Leadership وإدارة الأداء الرياضي Performance Management ، مجالان  خصبان متميزان بالكثير من الأساليب الإدارية في إدارة الموارد البشرية المتنوعة وكذلك التخطيط الاستراتيجي والتكتيكي وصولاً لاستخدام مؤشرات ومقاييس الأداء في متابعة تطور مهارات وقدرات اللاعبين للوصول لمستويات عليا من الأداء وتحقيق النتائج المطلوبة والأثر في تسجيل البطولات لتبقى تاريخاً مشرفاً.   وعليه، يمكن القول أن الكثير من تلك المفاهيم يتم تطبيقها بدرجاتٍ متفاوتةٍ في الكثير من المؤسسات والشركات لإدارة الأداء ونظم المساءلة. إنها المنظومة المتكاملة التي تدير كل الموارد المالية والبشرية التي تتميز بها الرياضة حتى أصبحت صناعة على المستوى العالمي.

من هذا المنطلق ومن خلال متابعتنا للمسابقات الرياضية والتي يمثل العنصر البشري عصبها، نجد الرياضيين لاعبين وإداريين، أفراداً أو فرقاً وهم يمثلون أنديتهم المحلية أو  فرقهم الوطنية بكل شفافية وعلى الهواء مباشرة – من أكثر الموارد البشرية النشطة التي تتعرض للضغوط والمطالبة بتحقيق النتائج الجيدة ورسم البسمة وجلب الفرح لجماهيرهم وأوطانهم، وفي نفس الوقت عندما يخفقون نجد شخصياتهم وأداءهم ومهاراتهم وقراراتهم – التي يجب أن يتخذوها في أجزاءٍ من الثانية -  عرضةً للنقد والتحليل والتنظير، ومِنْ ثَمَ تقوم كل الجهات الرسمية وغير رسمية بمراجعة برامجهم التطويرية وبرامجهم الإعدادية والتكاليف المالية المرتبطة بها لتضع كل تلك الأحداث على مذبح المساءلة للبحث عن أي إجابة موضوعية أو غير موضوعية يمكن من خلالها تبرير الهجوم على منظومة الموارد البشرية المرتبطة بالرياضة!. ولكن كثيراً – مانخلط بين الحقيقة والوهم – وكثيراً ما ينسى المهتمون بأمور تطوير الأداء Performance Improvement  أو يتناسى البعض منهم أن التعلم من الأخطاء هو السبيل الأمثل للاستفادة من تطبيق كل تلك المفاهيم وأن رعاية المواهب علمٌ وفنٌ في نفس الوقت وأن المواهب باختلاف فئاتها العمرية بحاجة دائمة للمناخ الصحي الذي يساعد على التعلم والتدبر بكل شجاعة. وأن تلك المواهب والثروات يدمرها – المبالغة في المدح والقدح – والمناخ الملوثُ بعبارات الاتهامات والتقصير  والتخاذل.  ولعل البعض يسأل! أليس من الواجب أن نقدر تلك الروح والمسؤولية عندهم؟ لماذا لا نكون جميعاً مُعولَ بناءٍ لا هدمٍ! لماذا لا نستفيد من سلوك الرياضيين – وهم من ثرواتنا البشرية - وواقعهم الماثل أمام أعيننا وهم يؤدون عملهم في منظومة تضع أداءها أمام الجميع ليكون عرضةً للتقويم  والتقييم من كل مشاهد – خبيراً كان أو غير ذلك!!

ولعل السؤال الأكبر لكل منظومات الموارد البشرية – وهي الثروة الحقيقية - في قطاعاتنا الصناعية والتجارية والخدمية، لماذا لا نكون جميعا من فئة الرياضيين – سمتاً وسلوكاً ولياقةً بدنيةً أيضاً – ونحن نمارس حياتنا وأعمالنا اليومية!؟ فعلى سبيل المثال: عندما نكون في الجامعة، المصنع، المشفى، المكتب، المتجر، والمعمل أو أي مكان آخر هل نستشعر بألوان الوطن على صدورنا لتجعلنا نطمح لأعلى مستويات الأداء وتمدنا بالقوة والثقة لقبول النقد والمساءلة كوسيلة لتطوير الأداء؟ أتمنى أن يكون لدينا قدرة متنامية ومتسارعة في كل ثانية كي تذكرنا وتعيننا على الإخلاص لخالقنا – عز وجل – في كل عمل نؤديه أولاً ثم الرغبة المتجددة بأننا نرسم البهجة والسرور فيمن حولنا – رؤساءً ومرؤوسين – وكل من يستفيد من أدائنا وإنتاجنا بقيمته المضافة. بذلك نكون نحن الثروة الحقيقية ولسنا الموارد الوهمية! تلك هي الحقيقة فلنواصل العمل بكل أريحية لنتأكد بأن كل أولئك -المستفيدون من إنتاجنا وأدائنا -  لن يخذلونا وسنجدهم حولنا عند النجاح وأمامنا عند الإخفاق لنتعلم جميعاً من كل تلك الدروس والأخطاء لنواصل البناء والعطاء للأجيال القادمة ونكون مثالاً  للمجتمعات المتعلمة Learning Societies.   إن الرياضة دروس وثقافة تتعدى الملاعب والمدرجات، من الرياضة نستنسخ مفاهيم تطوير الأداء المتوازن والتخطيط والشجاعة لمواجهة المساءلة وبقاء الأثر.

في الختام نعود إلى المنجم الحقيقي لثروتنا وهي اكتشاف ورعاية وتقدير المواهب في كل مجال، نتمنى أن تستمر وتتعزز الكثير من المبادرات القائمة لدى الكثير من الشركات والمؤسسات الخاصة والتي تدعم مساهماتها في أنشطة تنمية المجتمع وتحقيق المزيد من الازدهار والرفاه وألا يكون تطوير الأداء وتحقيق النتائج المالية والربحية هما الفيصل أو الغاية سواءً من الملاك أو المساهمين.    

إن الكثير من القطاعات لديها القدرة على خلق حاضنات للمواهب والابتكار وتشجيع الشباب – ذكوراً واناثاً – ليس فقط لاقتحام أسواق العمل المحلية والإقليمية كمورد بشري وإنما كثروة بشرية يتم الاستثمار فيها لخلق فرص العمل النوعية والريادة من خلال تحرير العقول والقلوب والأيدي من وهم المورد إلى حقيقة الثروة المتمثلة في الاعتماد – بعد الله - على القدرات الذاتية وخلق نماذج وطنية والسعي للتميز. لقد بات من المحتم على القطاع الخاص – بمؤسساته وشركاته – الاستمرار في الاضطلاع بمسؤولياته في تنمية الثروة البشرية بشكلٍ مستدام.   إن هذه القطاعات وهي تدرك أنها غير معزولة عن مجتمعها ككيان بشري ومالي يمكنها أن تجعل مسؤوليتها تتعدى مفهوم الأعمال الخيرية ليشمل توفير آليات فاعلة من شأنها دراسة الظواهر المختلفة والتصدي للتحديات القائمة والمستقبلية ومحاولة إيجاد حلول للمشكلات التي تقف عائقاً في وجه النمو الاقتصادي والثقافي والحضاري ورفاه المجتمع على المدى الطويل.

ولعل الكثير من تلك التحديات قد وجدت الطريق إلى قائمة الأولويات الاستراتيجية للعديد من شركاتنا ومؤسساتنا الوطنية وبات الاستثمار في مستقبل أبناء المجتمع السعودي ورعاية المواهب الشابة، عبر تقديم الدعم لهم والمساهمة في تطوير مواهبهم وإمكاناتهم، من الأنشطة المعتادة وتركيز الجهود على اكتشاف الطاقات المحلية وإبرازها إيماناً منها بأن الابتكار ورعاية الموهوبين هو مفتاح التنمية الاقتصادية المستدامة. لقد حان الوقت أن نعيش أن التنافس على الموارد الناضبة هو أكبر "وهم" يجعلنا نفتقد التركيز على الاستثمار في الثروة الحقيقية وهو المحرك لتوطين الأدوات والمهارات والخبرات وصولاً إلى سدة هوة المعرفة بين الأجيال وخلق مجتمع المعرفة الذي من شأنه فتح الآفاق أمام المزيد من الفرص


 الاختصاصات

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxالموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةإدارة الأداء
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/patterning-methodالاستقطاب والتوظيف
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتتقنية معلومات الموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/مُقدمة-في-مفهوم-تطوير-الموارد-البشرية-الاستراتيجي.aspxالتخطيط الاستراتيجي لإدارة الموارد البشرية

 الكتّاب

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxد. محمود المدهون
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxبندر بن عبد العزيز الضبعان
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةد.محمد عمرو صادق
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةمازن العمير
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/اعرف-نفسك-حدد-مسارك-المهنيآية الدغيدي

 أكثر المقالات قراءة

 

 

التعامل مع زخم المعلوماتhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتالتعامل مع زخم المعلومات
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةإدارة الإستثمار في الموارد البشرية

 أعلى المقالات تقييماً

 

 

إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
أفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتارhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxأفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتار
نظرة اقتصادية على دور الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةنظرة اقتصادية على دور الموارد البشرية

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/seven-responsibilitiesstring;#12.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/subordinates-performancestring;#11.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/development-of-subordinatesstring;#10.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/developmental-activitiesstring;#09.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/team-performancestring;#08.2018