البوابة السعودية للموارد البشرية

المتهم الأول في قضية اغتيال الخطط الاستراتيجية

عماد سندي

 
الثلاثاء 22 نوفمبر 2016

لقد بات من المعروف أن من أهم مراحل بناء إدارة الموارد البشرية هي مرحلة التخطيط الاستراتيجي، حيث تهدف هذه الاستراتيجيات للتنسيق بين كل من البيئة التنظيمية والأفراد والأنظمة بشكل متكامل حيث يكون العنصر البشري العصب الرئيسي الذي يعمل على تشغيل الموارد المادية والمعرفية لتحقيق أهداف المنشأة حسب الأنظمة المؤسساتية والمعايير الوطنية والعالمية للعمل الأخلاقي مما يضمن استمرارية العمل على المدى الطويل. فنجاح المنظمة يعتمد على نجاح خطتها الاستراتيجية في تسخير رأس المال البشري بشكل مثالي.

لنفترض عزيزي القارئ أنك بنيت أفضل الخطط الاستراتيجية لتمكين العنصر البشري من تحقيق أهداف المنظمة بأداء قياسي وضمن إطار عمل يتسم بالأخلاقية العالية، وما أن وضعتها قيد التنفيذ إلا وقد وجدت ما بنيته يضيع في مهب الريح. قد تكون أنت أو شخص ما في منظمتك فعلاً مررتم بمثل هذه التجربة. فالأفكار وحدها لا تضمن التنفيذ الناجح، يجب أن يكون هناك عنصراً فنياُ يدعم هذه الأفكار ويوصلها لبر الأمان. ففي روايته الشهيرة كتب الكاتب الإنجليزي إدوارد بولوير لايتن " الفن والعلم يلتقيان في التطبيق."ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هي الفنون التي يجب على مدير الموارد البشرية الناجح فهمها لضمان نجاح التخطيط الاستراتيجي؟ وهل يمكن وضع هذه الفنون ضمن قالب علمي وموضوعي يسهل تطبيقه على كافة المنظمات؟

عندما تدخل كلية هارفارد لإدارة الأعمال ستجد أمام المدخل لائحة خلف مكاتب الاستقبال مكتوب عليها:

"الثقافة تأكل الاستراتيجية على الفطور"

وقد نسبت هذه المقولة للكاتب الشهير بيتر دراكر والذي يعد أحد أهم وأشهر علماء الإدارة الذين ساهموا بكتابة المنهج الحديث في قيادة الأعمال. فلماذا يشير بيتر دراكر بأصابع الإتهام على الثقافة المؤسساتية؟ قد لا تكون الثقافة بحد ذاتها أمراً سيئاً ولكن إذا كان التخطيط الاستراتيجي يعاني فور دخوله مرحلة التنفيذ فهذا يعني أن الثقافة المؤسساتية في منظمتك قد تكون مسؤولة عن هذا الإخفاق. وإذا كنت لا تزال تشك في قوة تأثير الثقافة المؤسساتية على التخطيط الاستراتيجي فإليك عزيزي القارئ بعض الخيوط التي تقود إلى تورط الثقافة المؤسساتية في اغتيال الخطط الاستراتيجية التي تبنيها لتحقيق النجاح المرجو لمنظمتك:

العنصر البشري يتبع الثقافة ولا يتبع الاستراتيجيات

وذلك يعود لغريزة البقاء عند الإنسان فالثقافة تعطي شعوراً بالانتماء والطمأنينة وهي تحمي الأفراد الذين ينتمون إليها من التغيرات التي يصعب التعايش معها، فهي تواسيهم في حزنهم وتشجعهم على الاستمرار في نمط حياتهم وتحذر وتنهى عن الخوض في المجهول. فحتى ولو كانت الاستراتيجيات ذات أهداف نبيلة لكنها تخرج الفرد عن نطاق الراحة وتعرضه ليواجه التحديات لن تتمكن من أن تكسب قلب الفرد. فلقد علمتنا الثقافة أن نثق بها وأن نتبعها أينما تأخذنا فهي أثبتت على مر العصور أن الإنتماء لها هو السبيل الوحيد للعيش في عالم يسوده الغموض والمصاعب.

 

في وقت الأزمات يُضرب بالاستراتيجيات عرض الحائط

في الواقع مهما خططت واجتهدت في بناء استراتيجية فعالة دون أن تدع مجالاً للخطأ ستبقى هناك أموراً لم تأخذها بعين الاعتبار. فإذا كانت ثقافة مؤسستك تشجع فريق المبيعات على المنافسة في تحقيق أكبر مبيعات، ولكنك وضعت سياسات لتشجيع العمل الجماعي مثلاً. فقد ينجح ذلك في البداية ولكن ما أن يبدأ بعض الموظفين بالإحساس بأنهم لم يعودوا قادرين على تحقيق الفائدة المرجوة من عمولات أو حوافز حتى يعودوا إلى عاداتهم التنافسية القديمة ضاربين بسياسات العمل الجماعي ضرب الحائط. إن لم تكن مستعداً بأن تعمل على قدم وساق لتغيير هذه الثقافة بشكل تفاعلي لذهبت كل جهودك سدى وعادت المنظمة لأسلوب عملها القديم الذي يعيد لها الراحة والاستقرار.

 

الثقافة المؤسساتية تبني استراتيجياتها الخاصة لتنافس الاستراتيجيات التي وضعتها المنظمة

اصنع ثقافتك أو اجعلها تصنعك. الثقافة وعلى عكس استراتيجياتك تهدف لتسخير المنظمة لمنفعة الأفراد بينما أنت هاهنا تخطط لتسخير موظفيك لمنفعة المنظمة. فكلما حاولت أن تدفع بأفكارك لتحقق النجاح للجميع ستقوم الثقافة بخلق بيئة عمل تربط الأفراد ببعضهم وتعينهم على تحمل أعباء العمل تاركةً تلك الاستراتيجيات التي تعبت في تخطيطها مجرد حبر على ورق. فمهما حاولت أن تقنعهم بأن مصلحتهم تقتضي أن يتبعوا الخطة التي رسمتها فكل ما ستلقاه هو ابتسامة و "حاضر طال عمرك" ومن ثمة طعنة في ظهر أفكارك ورميها في السيل الذي يجرف معه جميع الأحلام والمستقبل الخلاب الذي تمنيته للمنظمة.

لا يمكن التخلي عن الثقافة بسهولة حتى وإن كانت سلبية

بسبب ولائنا الفطري للثقافة التي ننشأ فيها يصبح من الصعب علينا التخلي عنها. فهي التي بنت لنا ذكرياتنا وهي التي صنعتنا منذ أن كنا صغاراً. هذا الشعور تجاه الثقافة لا يقتصر على الثقافة الاجتماعية فالإنسان يعامل أي مجموعة ينتمي لها وكأن لها ثقافتها الخاصة. إذا لم تتوافق مبادئه وقيمه معها رفضها وانصرف عنها (أحد الأسباب الرئيسية لاستقالة الموظفين الموهوبين فهم يعرفون بيئة العمل الفاسدة ويدركون خطرها عليهم)، وأما إذا راقت له أو أنه لم يدرك جوانبها الخفية، انخرط فيها وتقبلها. والثقافة بشكل عام تدخل العقل بالتدريج فنتقبل مبدئياً جزءاً منها ولكن مع مرور الوقت تغرس جذورها فينا وتسقينا من قيمها ومبادئها فتبدأ بتحويلنا بشكل بطيء مستمر حتى نصبح أذرعاً لها فنأمر بما تأمر وننهى بما تنهى. وإن حاول شخص تحدي الثقافة التي صنعتنا بالعقل والمنطق فهو يشكل تهديداً واضحاً بزعزعة الأمان الشخصي لدينا وهو بذلك يحرض على عصيان هذا الكيان النبيل. وهنا أصبح من واجب كل من ينتمي لهذه الثقافة والتي باتت كياناً مبجلاً أن يدافع عنها بأي طريقة كانت ويقاوم الأفكار التي تهدف لتشويه صورتها. لذلك من الصعب جداً للناس إدراك مدى انغماسهم في ثقافتهم المؤسساتية. فهي تأثر بهم بشكل سلس وتدريجي وتقولب قيمها ومبادئها بالحجج العقلانية لتبين لنا أننا نتخذ قراراتنا على أسس فكرية موضوعية.

 

ليس الهدف من هذه المقالة أن أشير إلى أن الثقافة المؤسساتية هي السبب الوحيد في هدم التخطيط الاستراتيجي. فالثقافة بحد ذاتها ليست سيئة أو جيدة فهي وإن لم يكن هناك تخطيط مسبق ببناءها قامت بتشكيل نفسها بشكل عفوي ولا يقع اللوم أو الفضل في انتشارها على شخص معين. ولكن الثقافة الفاسدة تفسد كل محاولات تغييرها فهي أيضاً تتمتع بغريزة البقاء وتنوي الاستمرارية على مدى الأزل.  لذلك بات من الضروري لنا أن ندرك قوة الثقافة في المنظمات حيث يساعد ذلك في تحليل أهم أسباب فشلنا في تحقيق التغيير الذي نرجوه للمنظمة. سأقف هنا آملا أن نكون مستعدين إلى ضم هذا المفهوم إلى قاموسنا الإداري وعازمين على وضع الثقافة المؤسساتية نصب أعيننا كلما أردنا أن نخطو خطوة في طريق النجاح


 الاختصاصات

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxالموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةإدارة الأداء
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/patterning-methodالاستقطاب والتوظيف
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتتقنية معلومات الموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/مُقدمة-في-مفهوم-تطوير-الموارد-البشرية-الاستراتيجي.aspxالتخطيط الاستراتيجي لإدارة الموارد البشرية

 الكتّاب

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxد. محمود المدهون
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxبندر بن عبد العزيز الضبعان
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةد.محمد عمرو صادق
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةمازن العمير
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/اعرف-نفسك-حدد-مسارك-المهنيآية الدغيدي

 أكثر المقالات قراءة

 

 

التعامل مع زخم المعلوماتhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتالتعامل مع زخم المعلومات
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةإدارة الإستثمار في الموارد البشرية

 أعلى المقالات تقييماً

 

 

إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
أفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتارhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxأفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتار
نظرة اقتصادية على دور الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةنظرة اقتصادية على دور الموارد البشرية

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/seven-responsibilitiesstring;#12.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/subordinates-performancestring;#11.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/development-of-subordinatesstring;#10.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/developmental-activitiesstring;#09.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/team-performancestring;#08.2018