البوابة السعودية للموارد البشرية

التطوير المؤسسي (التنظيمي)

محمود العبدلي

 
الأحد 31 يوليه 2016

​لعلّ أهم ما يؤرّق المنشآت العاملة في المنطقة عامةً وفي السوق السعودي خاصةً هو كيفية تحقيق ميزة تنافسية متقدمة ذات طابع استمراري ومتطور ومتقدّم عن غيرهم من المنشآت. هذه الميزة التنافسية قد تنشأ بشكل مؤقت – لكن ليس الهدف فقط إنشائها – بل الاستمرارية هي المحك. ولضمان هذه الاستمرارية، وجب إنشاء شغف للتعلّم داخل المنظمة والمنشأة. هذا الشغف للتعلّم يؤدي إلى أن كل ما في المنشأة يتعلّم! الأشخاص يتعلموا، والنظام بداخلها يتعلّم، والعمل نفسه يتعلّم وبيئة العمل تتعلم؛ وحينئذٍ فقط يمكننا أن نقول بأن المنظمة تتطور بشكل مستمر محققة ميزة تنافسية متقدمة ومتجددة وباستمرارية عالية.

 

والسعي لتحقيق هذا التطور المؤسسي لا يمكن أن يتحقق إلا باعتبار التعلّم رحلة مستمرة، وليس خطة واحدة أو قرار مرحلي، بل هي محطات داخل هذه الرحلة، هذه المحطات تكمن في ٤ ركائز رئيسة، هي:

 

أولاً: تطوير ثقافة وبيئة العمل:

تهيئة الجو العام للمنظمة من خلال ترجمة رؤية ورسالة وقيم المنشأة في كل ما يتم يرتبط بها، وجعل جميع من يعمل بها يتحدثون لغة تلك الرؤية وتلك الرسالة وتلك القيم يطبقونها عن ظهر قلب في عمليات الشركة اليومية وقراراتهم الاستراتيجية. الاتصال والتواصل الفعّال والمنظّم والذي يوجه لعموم منسوبي المنظمة بلغة واضحة وسهلة تضمن إيصال نفس المعلومة أو الفكرة أو القرار أو الإعلان لأكبر شريحة ممكنة. كذلك إتاحة قنوات اتصال وتواصل من جهة أولئك العاملين إلى المنظمة المنتسبين لها. فالاتصال الأمثل ينجح حين تنجح قيادة المنظمة بالإنصات واستقبال الجميع بأريحية، وخلق جانب واضح للتحدث إليهم قبل التحدث لغيرهم. كذلك التنّوع والاختلاف يعتبر أساس ومصدر إلهام لابتكار حلول تطويرية وهو بحدّ ذاته مصدر قوة. ويعدّ تطوير جوانب تطبيق مبادئ العدالة والإنصاف داخل المنظمة أهم ما يميز ثقافة وبيئة العمل ويضمن تطورها، وذلك عن طريق نشر أفضل الممارسات الأخلاقية والنظامية بين العاملين لتثقيفهم وتوعيتهم لتكون مصدرًا تشريعيًا لعموم منسوبي المنشأة على اختلاف ثقافاتهم وخلفياتهم الحضارية وجنسياتهم فتعمل تلك المبادئ على توحيد تلك التوجهات لتكون متوافقة مع مقاصد المنظمة. ولخلق بيئة عمل وثقافة كهذه، وجب أن تُبنى على مبادئ التحفيز والشكر والتكريم والتقدير وبشكل مستمر ودائم مما يعطي رسالة واضحة لبذل المزيد من العطاء والنجاح. ومما يجدر الإشارة له هنا، أن التحفيز يكمن حتى في صغائر الأمور وأبسط مباسط مهام العمل، وليس بالضرورة أن يكون أمرًا متجاوزًا للتوقعات، فعندئذ، يكون التكريم والتقدير واجبًا مستحقًا وفرضًا على المنظمة عند تجاوز التوقعات. كل ذلك وما ذكرته هنا لن يتم تفعيله وتنشيطه، ما لم يكن هناك قيادة واعية للشركة تؤمن بنشر ثقافة وبيئة عمل تحتفي بما ذكر أعلاه بشكل واقعي وتطبيق عملي على أرض الواقع، وتعمل على قيادة التغيير وإدارته وإقناع نفسها ومن ثم غيرهم بهذا التغيير. الفشل في إيجاد هذه البيئة التي تناسب ثقافة الشركة، هو فشل محقق في الركائز التي تليها.

 

ثانيًا: تطوير النظام الداخلي للمنشأة:

تصميم الهيكل التنظيمي للمنشأة والذي يوضح سير العمل والصلاحيات الممنوحة، بالإضافة إلى العمليات الداخلية بين مختلف الإدارات والقطاعات داخلها، وذلك بشكل يتناسب مع ثقافة وبيئة العمل وما يخدم خطط واستراتيجيات المنشأة. وربط ذلك بالمعايير القياسية المتبعة في التشغيل فيما تلك الإدارات، ومتابعتها من خلال وضع بطاقات الأداء المتوازن المرتبطة بمؤشرات الأداء الفعّال والتي من خلالها تؤدي إلى نجاح تلك العمليات وإنجازها والوصول إلى النتائج المرتبطة بأهداف واستراتيجية المنشأة وتفادي الأخطاء التي قد تظهر في تلك العمليات أو نتيجة التشغيل، والسعي لتطويرها وتحسينها بشكل دائم ومستمر. هذه العمليات وما يحدث داخل المنظمة بحاجة إلى نظام حوكمة شامل يستطيع أن يقرر ما الذي يجب اتخاذه في الحالات التي يشتبه فيها الحل والقرار الأنسب ويحمي الأطراف ذات العلاقة والتي ترتبط بذلك النظام الداخلي. غياب الحوكمة، يكثر من المزاجية والعشوائية، ويؤثر على مستوى احساس الفرد بأن تلك البيئة آمنة للإبداع ولا تشجّع اتخاذ قرارات جريئة ولكن مدروسة وأن الاختراع أساسه توفير منصة تقبل المخاطرة. الحوكمة يتبعها سياسات ولوائح لتنظيم سير تلك العمليات والأعمال المتعلقة بها خاصة الروتينية منها والتي من شأنها تضمن تسريع الانجاز وتحقيق الأهداف القصيرة والصغيرة دون الحاجة إلى تعقيد ومركزية. كذلك من المهم جدًا دمج التقنية وتفعيلها ضمن عمليات المنشأة والسعي إلى تطبيق أفضل التقنيات وأحدثها والتي تضمن دقة وسرعة وسهولة إنجاز المهام والمسئوليات بجودة عالية. وإسهام إدارة المعرفة لرصد التقدم المعرفي بالمنظمة من خلال توفير قاعدة بيانات ووجود معايير واضحة يُستند عليها ويتم الرجوع إليها عند الإشكال في اتخاذ قرار او حل معضلة، والمحافظة على تلك المعارف من التسرّب والانتقال لخارج المنشأة؛ وكل ذلك يوفر بيئة خصبة للإبداع والتطوّر والتعلّم. فشتّان بين بيئة عمل قائمة على استثناءات ومبادرات وبين بيئة عمل بها نظام واضح يعلمه الجميع ويقوم باتباعه وتنفيذه، وبه مرونة كافية لتطويره وتحسينه في زمن متسارع!

 

ثالثًا: تطوير الأشخاص:

قد بدأت أعلاه في شرح بيئة العمل وثقافتها ثم نظامها الداخلي بالترتيب قاصدًا بذلك توفير القاعدة الأساسية الصلبة التي يمكنها جذب المواهب وضمان استمراريتهم ويقوموا بالبناء على بُنية ممهدة تمكّنهم من إضافة ابداعاتهم وابتكاراتهم وتتقبلها وتحفزها عليهم. غياب الركيزتين معناه غياب تلك المواهب وهروبها. ويبدأ العمل مع الأشخاص لتطويرهم ببناء علاقة وطيدة تكسب منهم الثقة والولاء والانتماء ومن ثم البدء في توجيهم وإرشادهم ومراجعة أدائهم وتحسينه بشكل مستمر وتقديم النصح باستمرار متى ما سنحت الفرصة. تطوير المواهب ومنحها فرص للتعلّم، ولكن دون تطوير نظام رواتب ومزايا ومنافع منافس، يؤدي إلى تجهيز تلك المواهب للسوق لاستقطابهم بسهولة وجاهزية وبمميزات أعلى وأقوى. ومن بين أقوى طرق تطوير الأشخاص، منحهم فرص لتحديات جديدة والمشاركة في مهام / مشاريع مختلفة يتم من خلالها تعلم مهارات وتضيف لهم معرفة نوعية. ومما يحقق تطور الأفراد، تقديم برامج تدريبية متنوعة ومخصصة وتتوافق مع احتياجاتهم، فمن الطبيعي الاختلاف بين هؤلاء الأفراد في طرق تعلمهم وتطورهم وعليه يجب الأخذ في الاعتبار مثل هذا الاختلاف. وليس الهدف هو تقديم برامج تدريبية فقط، بل إن ما بعد التدريب من التوجيه والإرشاد والمتابعة وتقديم المراجعة والتحسين المستمر يكفل لتحقيق نتائج تدريب ملموسة ذات عائد مجزٍ وجني ثمرة ذلك التدريب. كما أن طرق التدريب متعددة وليست مقصورة على البرامج التدريبية في قاعات التدريب، بل وجد أن التدريب على رأس العمل والممارسة بالتطبيق المباشر أجدى وأنفع في تطوير مهارات العاملين وزيادة مكتسباتهم المعرفية ورفع رصيد خبراتهم العملية في وقت وجهد قياسي. كما أن خلق ثقافة تتقبل التدوير بين الإدارات أو الأقسام الفرعية في المنظمة يلعب دور مهم في تحفيز الموظف للخروج عن العمل الروتيني الذي اعتاده، ويضفي لعملهم معنىً ويمكنهم من إعمال عقله وفكره وتنشيطه في مجال آخر يؤدي به إلى توسيع مداركه المعرفية من منظور مختلف تمامًا عما اعتاده في عمله الروتيني. هؤلاء الأشخاص هم وقود المنظمة، وبتطويرهم تتطور المنظمة وتتقدم وتتعلم. فهم من يقوموا بتأسيس بيئة وثقافة العمل وخلق جوها وتهيئتها لغيرهم، وهم من يقوموا بتنفيذ العمليات والتعامل معها ومن ثم تحسينها ورفع كفاءة الأنظمة الداخلية على اختلافها وتعددها. هم قلب المنظمة النابض، تطوير هذا القلب، يجعل جريان الدم في أوردة وشرايين المنظمة وتدفقه في أرجائها بشكل مستمر ويعملوا على معالجة أي انسدادات أو ضيق – إن وجدت – وبشكل فاعل ومؤثر.

 

رابعًا: تطوير نتائج العمل نفسه:

مهما عملنا من تطوير وتقدم في بيئة العمل وعمليات ونظام المنشأة ومهما تعددت وتنوعت البرامج التدريبية لمنسوبيها، فإذا لم تنعكس ويتم ترجمتها على نتائج العمل وتطوره، فيعدّ ذلك هباءً منثورًا. نتائج المنظمة ودخلها وأرباحها يجب أن تتطور كذلك ليتم إعادة استثمار جزء منها في بيئة العمل وفي النظام الداخلي وعلى تدريب وتطوير العاملين وكذلك على تطوير العمل نفسه بالتسويق والاستثمار ورفع الحصة السوقية، واقتناص الفرص المتاحة، وخلق الفرص وابتكارها. ما لم يكن هناك تطويرًا منظمًا ومدروسًا لمختلف الركائز الأساسية وبشكل متتابع ومتوازٍ، فإن ذلك يؤدي إلى اختلال في تلك الركائز ويؤدي إلى قصور في نتائج العمل. وإنّ ما يجب إدراكه هنا، تطوير العمل لن يتم ما لم يسبقه أو على الأقل بشكل متوازٍ معه، تطوير لبيئة وثقافة العمل، وتطوير للنظام الداخلي وما يلحقه، وتطوير العاملين على هذا العمل. هي سلسلة متشبثة بعضها ببعض، تشبثها هذا هو مصدر قوة ومصدر ضعف في نفس الوقت، بتماسكها وتلاحمها يتم إنجاز وتحقيق نتائج استثنائية، لكن الخلل والضعف ولو بجزء بسيط منها يؤدي إلى انفراط كامل الحلقات والسلسلات وبشكل فوري يحدث انهيار لمنظومة العمل داخل المنشأة.

 

ولتبسيط مفهوم التطوير المؤسسي، نجد أنه لا يحتاج إلى شخص أو قسم خاص به، بقدر ما هو بحاجة إلى فريق عمل متنوع ومختلف من جميع أقسام المنشأة يقوده وينظمه متمكن من العديد من الممارسات الموضحة أعلاه خاصة بتلك المختصة بالتطوير بشكل عام، يكون هذا الفريق لديه قدرات متنوعة تمكنه من تطوير جميع تلك الركائز وتفرعاتها في آنٍ واحد. ويتم متابعة هذا الفريق بوضع خطط تنفيذية وأهداف واضحة محددة قصيرة وطويلة المدى، لتقويم وتصحيح المسار التطويري والتأكد فعلاً من انعكاس ذلك على نتائج أعمال المنشأة. فالمنظمة والمنشأة بذاتها هي كيان جامد لا يمكن تطويره بعينه، ولكن بتطوير تلك الركائز والتكامل فيما بينها يؤدي إلى التطوير التنظيمي وتطوير وتعلم المنشأة، والخلل في أحدها يؤدي إلى تشوّه مقيت.

 

اعتبر هذه الركائز الأربعة – ومن وجهة نظري – هي خارطة طريق لمن يرغب البدء في التطوير التنظيمي والمؤسسي، إلا أن كل ركيزة يمكن إفرادها في مجلدات، بل إن الأساسيات المتفرعة من كل ركيزة يمكن إفرادها في ورش عمل وبحوث وكتب، ويصعب في مقال واحد الإلمام بكل وكامل التفاصيل وخطة العمل التطبيقية، إلا أني حاولت – قدر المستطاع – تلخيص أفكار وخواطر حول التنظيم المؤسسي وتطويره، ولعلّ ما يتم كتابته في الفترات القادمة يهتم بالتفاصيل التطبيقية والعملية للموضوعات الواردة وعلى مراحل متى ما أسعف الوقت.​​


 الاختصاصات

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxالموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةإدارة الأداء
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/patterning-methodالاستقطاب والتوظيف
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتتقنية معلومات الموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/مُقدمة-في-مفهوم-تطوير-الموارد-البشرية-الاستراتيجي.aspxالتخطيط الاستراتيجي لإدارة الموارد البشرية

 الكتّاب

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxد. محمود المدهون
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxبندر بن عبد العزيز الضبعان
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةد.محمد عمرو صادق
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةمازن العمير
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/اعرف-نفسك-حدد-مسارك-المهنيآية الدغيدي

 أكثر المقالات قراءة

 

 

التعامل مع زخم المعلوماتhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتالتعامل مع زخم المعلومات
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةإدارة الإستثمار في الموارد البشرية

 أعلى المقالات تقييماً

 

 

إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
أفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتارhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxأفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتار
نظرة اقتصادية على دور الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةنظرة اقتصادية على دور الموارد البشرية

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/seven-responsibilitiesstring;#12.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/subordinates-performancestring;#11.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/development-of-subordinatesstring;#10.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/developmental-activitiesstring;#09.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/team-performancestring;#08.2018