البوابة السعودية للموارد البشرية

التدريب وبناء القدرات المؤسساتية (الجزء الأول)

د.محمد عمرو صادق

استشاري موارد بشرية – أحد أهم المفكرين الدوليين الأكثر تأثيراً في مجال الموارد البشرية لعام 2014م
الخميس 27 أكتوبر 2016

​​

(الجزء الأول)

يقول الامام أحمد بن حنبل رحمة الله "الناس الى العلم أحوج منهم الى الطعام والشراب، لأن الرجل يحتاج الى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته الى العلم بعدد أنفاسه".

في أوائل هذه الألفية كنت قد دعيت إلى أحد مؤتمرات الموارد البشرية بدول شرق المتوسط والتي تسمي Levant  كي أتحدث عن التدريب وأهميته بالمنظمات، وبعد أن انتهيت من الحديث سألني أحد الحاضرين عن كيفية اقناع مدراء العموم والمدراء التنفيذيين بأهمية التدريب والاستثمار في العملية التدريبية والعاملين.

لذلك نبدأ حديثنا بوعي تام وأذهانا صافية ومتفتحة على أنه من الملاحظ بأن كافة المنظمات تواجه في عالمنا اليوم تداخلات كثيرة في محيط العمل ومتعددة كنتيجة حتمية للعديد من الظواهر الدولية والإقليمية مثل العولمة وتطور التكنولوجيا وتكنولوجيا المعلومات والأشكال الجديدة للمنظمات والتنافسية وتحسين الإنتاج وحرب الكفاءات...الخ. ان مناخ الأعمال يعاني من تحول درامي بسبب التداخل والتعقيد وعدم الوضوح والتغيرات الجذرية المحيطة به، هذا اضافة الى التغير في توقعات ومتطلبات العملاء وزيادة المسؤوليات الاجتماعية وفى اجراءات العمل وتبدّل معايير متطلبات النجاح، والتي تشكل توترات جديدة على المنظمات وعلى العاملين فيها. لهذا فإن التطور المستمر والسريع في قطاع الأعمال قد خلق الحاجة إلى زيادة التفكير في مفاهيم وممارسات جديدة بالمنظمات حيث أشار الكاتب مايكــل كريشتــون فــي افتتاحيــة كتابــه Rising Sun "بأننا ندخل عالماً لا تنطبق عليه القواعد القديمة".

وفى ظل عالم تسوده المنافسة العالمية الغير متكافئة بمعاييرها الحديثة، تجد الدول النامية ومنظمات الأعمال فيها نفسها في وضع اقتصادي حرج يتطلب منها مسابقة الزمن لتقليص الفجوة العلمية والمعرفية والتقنية الكبيرة بينها وبين ما أصبح يطلق عليه "مجتمعات المعرفة". حيث يتسم عالمنا المعاصر بتعاظم دور العلم والمعرفة وبخاصة في المجال الاقتصادي، وتحتل المعارف ورأس المال البشري المرتبة الأولي في تحقيق الفائض الاقتصادي والتنمية الشاملة.

إن تقليص هذه الفجوة لا يمكن أن يتم بالاعتماد عــلى الآخـــرين، والاكــتفاء بــنقل معـارفهم وتجـــاربـــهم وتكنولوجيتهم، حـيث لا بد من الانخــراط فـي هـــذه العملية عـن طريق تطـوير الـقدرات الذاتـية في جـميع المجــالات، فالوصــول إلـــى "مجتمــع المــعرفة" واقتصادها لن يتم الا بعملية تطور تاريخي طويلة. لـذا، فـإن عولمـة الاقتصـاد، وتحرير الـسوق وخصـخصة ممتلكات الدولة، وبـــناء اقتصـاد المـعرفة، يجـب أن يخضـــع أساسـاً لمتطلبات واحتياجات تطوّر مجتمــعاتنا العربية، وألا يـتــم تلبــية لضغـوطـات المـــعـادلات الدوليـة ومصـالح القـوى الاقتصـــادية المهيمنة كونيا. وقد أشار توماس ستيوارت في كتابه "رأس المال الفكري: الثروة الجديدة للمنظمات" بأننا في عصر المعلومات، وأصبحت المعرفة هي مصدر الاقتصاد المتفوق وأهم من المواد الخام أو حتى الأموال.

وبناءً على هذه التداخلات المعقدة والمنافسة الشرسة، تسعي المنظمات إلي رفع مستوي مهارات العاملين واكتساب عناصر التميز، الأمر الذي يرتكز على العلاقة بين ممارسات الموارد البشرية وأولوية الاستثمار في تطوير واستعمال مهارات هذه الموارد والنتائج الاقتصادية للمنظمات. لذلك تعد الموارد البشرية هي الثروة القومية الأساسية التي يتوقف على تنميتها وتطويرها باستمرار مستقبل التنمية الشاملة وبخاصة في المجال الاقتصادي.

إن تطوير وتنمية الموارد البشرية عبارة عن إجراءات لزيادة المعرفة والمهارات والقدرات لكافة الأفراد في المجتمع – فمن مفهوم أو منظور الاجتماع والثقافة يكون تطوير الموارد البشرية هو العامل الذي يساعد الأفراد للوصول لأعلى مستويات الحياة ويفتح أبواب التحديث Modernization، لهذا يجب أن تدار مهام التدريب بطريقة مختلفة عن السابق لأن المنظمات تتوقع الحصول على نتائج ملموسة من دور التدريب الأمر الذي يسهم في نجاح المنظمة.

ويعد التدريب من أكثر المواضيع التي لاقت اهتماما كبيرا وذلك بسبب الدور الفعال الذي يلعبه في تنمية وتطوير الأداء لكافة فئات القوي العاملة بالمنظمة بشكل خاص والأمم بشكل عام. فقد حظيت العملية التدريبية بالاهتمام الواسع من الشركات الغربية، فعلي سبيل المثال ولا الحصر تقوم الشركات الأمريكية في كافة القطاعات باستثمار أكثـر من 60 بليـون دولار سنويا (1998) لتدريب العاملين كــرد فعــل لتطــور الاحتياجات للمعلومات الجديدة والمعرفــة المطلوبة وذلك كي تتمكن من متابعة وإدارة أنظمة وبيئة والأشكال الجديدة للأعمال مثل إعادة الهندسة والتحالف وضم الشركات، وأصبحت المعرفة Knowledge هي المصدر الجديد لخلق الميزة التنافسية Competitive Advantage. لذا لم يعد التدريب كما كان سابقا مجرد نشاط شكلي أو ترفيهي أو حتى تحفيزي بل أصبح نشاطاً رئيسياً مركزياً لنجاح المنظمات في وقتنا هذا أو في المستقبل.

وقد أشارت الجمعية الأمريكية للتدريب والتطوير ASTD بأنه لا توجد شواهد أو حقائق قاطعة تدل على أن الاستثمار في تدريب الأيدي العاملة بالمنظمات يمكن أن ينبئ بمستقبل الأداء المالي لديها. ولكن بعد دراسة استغرقت ثلاثة أعوام متتالية من 1996 – 1998 لـعدد 575 شركة استثمرت في التدريب من 680 إلى 1595 دولار سنويا للعامل، تبيّن أنه تم تحسين نسبــة عائد المستثمرين بمعدل 6%. كما أشار تقرير الجمعية أيضاً بأن تكلفة التدريب المباشر تبلغ 2% وحتى 10% من إجمالي رواتب العاملين بمنظمات الأعمال الأمريكية. إضافة إلى ذلك قامت شركة Coopers & Lybrand بدراسة دولية لـ 15 دولة في الاتحاد الأوروبي عام 1996 ووجدت أن معظم المنظمات تعتقد بأن تدريب العاملين هو عائد استثماري على شكل:

  • تحسين الإنتاجية

  • مرونة العمل

  • توفير في الأدوات والمعدات

  • عمالة محفزة

  • تحسين نوعية المنتج والخدمات


    وفي دراسة مماثلة تمت عام 1990 قام بها كل من Carnevale & Schulz تبيّن أن العائد على المنظمات التي تقوم بالاستثمار في العاملين لديها عن طريق التدريب، هو:

  • زيادة الإيرادات وخفض التكاليف نتيجة لزيادة رأس المال والأيدي العاملة

  • تخفيض المصاريف نتيجة لتخفيض الوقت الضائع والمواد وانخفاض نسب الغياب والحوادث

 

وأوضح الكاتب Peter Drucker في كتابه The New Realities إن مهام الإدارة تنقسم إلى ثلاث مهام رئيسية: -

  1. تأسيس وتعريف غرض ومهام المنظمة بشكل واضح

  2. جعل العمل أكثر إنتاجية وتفعيل الأيدي العاملة

  3. إدارة التأثير والمسؤوليات الاجتماعي ونشير هنا إلى المهمة الثانية وهي جعل العمل أكثر إنتاجية وتفعيل الأيدي العاملة فمؤسسات الأعمال لا تملك إلا مورداً واحداً فقط هو الأفراد وبالتالي فإن نجاح العمل متوقف على إنتاجية الموارد البشرية.

إن أهمية وسرعة التعلّم بغرض الحفاظ على قدرة المنظمات الإنتاجية على المدى البعيد قد أصبحت استراتيجية وليست مجرد أعمال أو مهام فقط. وتعتبر نوعية العاملين بالمنظمات وتطويرهم من خلال التدريب والتعليم المستمر من العناصر الرئيسية في تحديد أرباح هذه المنظمات على المدى الطويل. إلا أن التدريب غالباً ما يكون للعاملين الجدد فقط، وهنا يكمن الخطأ الذي تقع فيه معظم المنظمات إذ أن التدريب المستمر للعاملين الحاليين يساعدهم على تعديل مهاراتهم حسب متطلبات العمل السريعة والمتغيرة.

وقد أشار الكاتب توم بيترز Tom Peters في مؤتمر الجمعية الأمريكية للتدريب والتطوير – American Society for Training & Development عام 2001 بأن معظم المؤسسات قد أوقفت برامج التدريب بسبب التكلفة والتعليم الإلكتروني علماً بأن كافة قطاعات الأعمال الأخرى تقوم بتدريب العاملين، وتساءل الكاتب عمّا إذا كانت الشركات والمؤسسات ستأخذ بعين الاعتبار أهمية التدريب كوسيلة لرفع كفاءة العاملين وإنتاجية المؤسسات ومتى؟

ومن جهة أخرى نجد أن العالم يشهد بشكل عام ما يمكن تسميته "ثورة تدريبية"، والتي تعني بأن ثمة برامج تدريبية عديدة تنظمها المنشآت المختلفة سواء داخليا أو خارجيا بغرض رفع الكفاءة الإنتاجية للعاملين.

وقد أشار الكاتب جيمس والكر James Walker في كتابه Human Resources Strategy أن التدريب والتعليم هما العنصرين الوسيطين في إجراءات تطوير العاملين. فالتدريب يتم لمساعدة الأفراد لتعلم مهارات الوظيفة والحصول على المعرفة اللازمة لتحسين مستوى أداء العامل ومن ثم المنظمة، أما عن التعليم فهو عملية إعداد العاملين لتوسيع طاقاتهم للتعلم ولأداء وظائفهم بالمستقبل.

أما بيتر دراكر فيقول "نحن الأن نعرف بأن مصدر الثروة هو شيء انساني يسمى المعرفة...فاذا قمنا بتطبيق المعرفة على مهام العمل الجديدة والمختلفة فتكون هذه هي التجديد. فالمعرفة سوف تمكننا من الوصول الى الأهداف المرجوة.

ولكننا مع الأسف الشديد فإننا كثيرا ما نستمع إلى شكاوى بعض المشاركين بالمؤتمرات ذات العلاقة بأن مفهوم التدريب أو البرامج التدريبية لا تحظى بشعبية كافية أو أنها غير فعالة أو حتى أنها لا تتوافر بالمؤسسة على الإطلاق، كما أشرنا من قبل. هذه الشكاوى تعطينا دلالات واضحة وصريحة عن تهميش دور التدريب بالمنظمات.

ونتسأل لماذا هذا العدد الهائل من الشركات تعمل على إغفال العملية التدريبية ولا تعيرها الاهتمام الكافي؟ ولماذا يستمرون في تكرار نفس الأخطاء؟ ولماذا لا يوجد تغير جذري في مفهوم العملية التدريبة والذي يؤثر على حياة المنظمات؟ لذلك فمن البديهي أن نبدأ بأذهان صافية بالتعرف سويا على بعض المفاهيم العامة للتدريب ومسئوليات مدراء التدريب في نظرة سريعة لنتمكن من تفهم بعض أسباب تجاهل العملية التدريبية.


 الاختصاصات

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxالموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةإدارة الأداء
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/patterning-methodالاستقطاب والتوظيف
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتتقنية معلومات الموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/مُقدمة-في-مفهوم-تطوير-الموارد-البشرية-الاستراتيجي.aspxالتخطيط الاستراتيجي لإدارة الموارد البشرية

 الكتّاب

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxد. محمود المدهون
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxبندر بن عبد العزيز الضبعان
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةد.محمد عمرو صادق
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةمازن العمير
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/اعرف-نفسك-حدد-مسارك-المهنيآية الدغيدي

 أكثر المقالات قراءة

 

 

التعامل مع زخم المعلوماتhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتالتعامل مع زخم المعلومات
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةإدارة الإستثمار في الموارد البشرية

 أعلى المقالات تقييماً

 

 

إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
أفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتارhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxأفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتار
نظرة اقتصادية على دور الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةنظرة اقتصادية على دور الموارد البشرية

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/seven-responsibilitiesstring;#12.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/subordinates-performancestring;#11.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/development-of-subordinatesstring;#10.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/developmental-activitiesstring;#09.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/team-performancestring;#08.2018