البوابة السعودية للموارد البشرية

مفاهيم وأشكاليات التدريب بالمنظمات

د. محمد عمرو صادق

استشاري موارد بشرية – أحد أهم المفكرين الدوليين الأكثر تأثيراً في مجال الموارد البشرية لعام 2014م
الثلاثاء 22 مارس 2016

في حديث مع السيد/ ألن هوسكنج، رئيس تحرير مجلة "مستقبل الموارد البشرية" بجنوب أفريقيا عن الموارد البشرية وممارساتها بالمنظمات، تطرقنا في الحديث عن التدريب وكيف أن التخطيط والتنفيذ السليم لبرامج التدريب هو الاستثمار الأمثل بالقوى البشرية والتي هي عماد الثروة والطريق الآمن للوصول للتنافسية من خلال تحسين الإنتاج وزيادة الأرباح ورفع التحفيز والتي في النهاية سوف تؤثر إيجابياً على سمعة المنظمة، وقمنا بالرد على هذه الاستفسارات:

  1. لماذا يفشل التدريب بالمنظمات؟

في بداية حديثنا أشرنا إلى أن التعلم هي المعرفة التي يحصل عليها الفرد من خلال التدريب المنهجي وغير المنهجي. وحقيقة الأمر أن التدريب هو الذخيرة للميزة التنافسية، فالمنظمات بكافة أشكالها وأحجامها وفي جميع المجالات حول العالم تسعى جاهدةً كي تكون أفضل من الآخرين بذات المجال وترغب في الوصول إلى التميز من خلال تطبيق أنظمة إدارية جديدة وممارسات حديثة.

كما أشار جاك ويلش، الرئيس التنفيذي السابق لجنرال إلكتريك، بأن قدرة المنظمة على التعلم ثم ترجمة ما تم تعلمه إلى أفعال ومواقف بصفة مستمرة هو أساس الميزة التنافسية.

وعلى الرغم من هذا التنافس الشرس بالأسواق والتأقلم على معطيات العصر الحديث وآلياته والمفاهيم المعاصرة، فإننا نجد أن هناك بعض الشركات التي تعثرت في عمليات التقدم للأمام، ولم تستطع أن تنافس ونتج عن هذا عدم قدرتها على البقاء بالأسواق. هذا ما أشارت إليه ثلاث تقارير دولية مختلفة هي تقرير التنافسية العالمية، مؤشر الابتكار العالمي ومؤشر التفاؤل العالمي. وكان من أحد أسباب تخلف الشركات يتمركز في تهميش أدوار الموارد البشرية والتدريب.

لقد أوضح الدكتور صلاح جهيم بن مساعد أن الواقع يشهد بتواضع شديد الأثر الملموس للتدريب في مستوى تحسن مهارات العاملين وزيادة الإنتاجية للمنظمة، على الرغم من تزايد ما ينفق على التدريب، وقد يرجع ذلك إلى الأسباب التالية:

  • انفصال التدريب عن عناصر ومكونات منظومة تنمية الموارد البشرية والتجاوب مع ذلك في جزئيات متفرقة وغير مترابطة ولا تنطلق من فكر استراتيجي مشترك بين الوحدات المعنية بالعملية التدريبية.

  • التعامل مع التدريب باعتباره عملية مستقلة بذاتها وغير مرتبطة بمنظومة شاملة.

  • اعتبار التدريب نشاطاً تكميلياً وليس ركناً جوهرياً في البناء الاستراتيجي للمنظمة.

  • افتقاد العلاقة بين التدريب ومبدأ "التمكين" الذي يتيح للمتدرب نقل ما يكتسبه من مهارات إلى مجال عمله في شكل أداء فعلي.

  • غياب المنهج الاستراتيجي في التعامل مع قضايا التدريب والانطلاق في أنشطته دون وجود معايير وسياسات تربط بين استراتيجية المنظمة واستراتيجية الموارد البشرية.

في أحد شركات التصنيع حيث كنت أعمل كرئيساً تنفيذياً للموارد البشرية فوجئت بمدير التدريب يعلن عن دورة تدريبية "محاكاة" عن صناعة واتخاذ القرار...أما المتدربين فهم مدراء العموم والمبيعات والتسويق والمدراء الماليين إضافةً إلى مدراء التشغيل...فطلبت منه الحضور إلى مكتبي لمناقشة موضوع الدورة وعلى أي أساس تم اختيارها واختيار المتدربين علماً بأن مدراء العموم على سبيل المثال لديهم خبرة لا تقل عن خمسة عشر عاماً كمدراء عموم. وبعد النقاش وفهم أبعاد الموضوع تكشف لنا حقيقة الأمر بأن الدورة مدعمة من الحكومة وتم اختيارها واختيار المتدربين من قبل رئيس الشركة دون تدخل من الأقسام المعنية أو حتى أخذ أراء المختصين.

لذا فإن أحد أهم الأسباب لهذا الفشل هو ضيق الأفق والتقليل من أهمية دور التدريب والاستثمار في الأفراد.

  1. كيف تنظر المنظمات للعملية التدريبية؟

للعديد من منظمات الأعمال والذين لم يتمكنوا من التنافس والوصول إلى الغايات المرجوة وما زالوا يقدمون الشكاوى من أداء العاملين وإنتاجياتهم، فإن العملية التدريبة تعد هامشية ولا ينظر إليها من منظور أو موقع استراتيجي، علماً بأن نجاح تلك المنظمات يعتمد كلياً على العمالة المؤهلة والمدربة.

وقد أشار د/ علي السلمي وزير التنمية الإدارية الأسبق في مصر والرئيس السابق للجمعية العربية للإدارة إلى أنه يمكن القول إجمالاً أن لب إشكالية التدريب يتمحور في حقيقة أساسية هي اعتباره نشاطاً تكميلياً وتجميلياً وليس باعتباره ركناً جوهرياً في البناء الإداري الاستراتيجي للمنظمة. وعلى هذا فنجد أن تلك المنظمات تعمل على إلغاء ميزانيات التدريب بشكلٍ كاملٍ أثناء تعثرها مالياً أو في الأوقات الحرجة، لتضع مدراء التدريب بموقفٍ حرجٍ يتساءلون ماذا يجب عليهم أن يفعلوا.

يجب أن نتفهم جيداً بأن التدريب ليس نشاطاً ثانويا يتم إيقافه أثناء الأوقات الاقتصادية الصعبة وتفعيله عند الحاجة. فالنقص في الموارد أوجب على المنظمات الناضجة أن تتفهم دور التدريب وتعمل على إيجاد أولوياته، فهو أداة أعمال استراتيجية في حالة ما إذا نظرنا إلى الأهداف والغايات طويلة المدى.

والمشاهد لأدوار وأشكال التدريب ونشاطاتها وبرامجها بمنظمات الأعمال، يجد أن الفكر العام التدريبـي يقـع تحــت طائلة محوريـن أساسييـن همـا التــدريـب التنظيمـي الجزئـي والكــلي Micro & Macro Organizational Training.

فالتدريب التنظيمي الكلي Macro يتخذ منهجية أوسع وأشمل والتي تبني الأنشطة والبرامج التدريبية بناءً على الرؤية، الرسالة، القيم والخطة الاستراتيجية للمنظمة، في حين أن التدريب التنظيمي الجزئي Micro يتعلق بالخطط السنوية للإدارات بالمنظمة كأساساً للبرامج وخطط التدريب لذلك قد يعتبر نهج أكثر تركيزاً.

لذلك نجد أن هناك ثلاث منهجيات للتدريب تنقسم إلى:

 

(1) منهج مستقبلي Proactive والتي يلعب فيها التدريب دوراً محورياً استراتيجياً، تكون فيه كافة النشاطات التدريبية منهجية الأداء ويتم الاستثمار في الوقت والبرامج لتطوير العاملين ورفع كفاءتهم واستعدادهم لمواجهة تحديات السوق وتحسين قدرتهم على التكيف مع المتغيرات.

مثل تلك المنظمات تعمل على ربط التدريب بكافة أنشطة الموارد البشرية الترقيات والمكافآت وتقييم الأداء فور الانتهاء من حضور الدورات التدريبية لضمان أن المتدربين لديهم المعرفة الكافية للمنافسة، حيث الغاية من النشاطات التدريبية هي تنمية الجدارات Competencies

(2) منهج نشط Active حيث تتم كافة أنشطة التدريب في صياغ مستمر من أجل الحفاظ على الأداء الحالي ومواصلة تعزيز هذا الأداء إلى المستوى المقبول.

فكلا الوجهتين تتعامل مع أنشطة تدريبية لبناء قدرات العاملين وتحميسهم ومن ثم يتم حصاد الولاء الوظيفي للمنظمة، كما تعمل على جذب أفراداً جدد، وتخلق مجموعة من البدلاء المؤهلين للموظفين الذين يغادرون. تلك المنظمات تشجع العاملين على حضور الحلقات الدراسية، المؤتمرات والدورات التدريبية بحيث يكون لدى العاملين علم ومعرفة بالاتجاهات الجديدة في إدارة الأعمال، وبذلك فأنها تعيد باستمرار تشكيل قدرات القوى العاملة لديها.

فالهدف الرئيسي لإدارة التدريب هو التشجيع والحث على بناء ثقافة قوية من التعلم بالمنظمة في حين تكون كافة الأنشطة التدريبية في تكامل مع الأهداف والغايات الاستراتيجية ومبادرات الإدارات، فعملية التطوير والتنمية لا تنتهي أبداً.

(3) منهج تفاعلي Reactive، حيث تعتقد بعض المنظمات أن التدريب هو الحل لجميع مشاكلهم، ولذلك تتم الأنشطة التدريبية بناءً على الطلب وبشكل عشوائي، ويتم التعامل مع التدريب كحدث. حيث لا تؤمن تلك المنظمات بفكرة تدريب الموظفين وبالتالي لا تكلف نفسها عناء تخصيص ميزانيات كافية أو لإنشاء قسم أو وظيفة تدريبية. ولكن كتقليد أعمى فهم يخصصون بعض الميزانيات للتدريب، ولكن مع الأسف لا يعرفون كيفية استخدامها. تلك المنظمات يتراءى لها هذه الافتراضات:

  • أن ممارسي الموارد البشرية لا يشاركون أو لا يعرفون كيفية تحليل الاحتياجات، وبالتالي ليست لديهم فكرة عن كيفية تدريب الموظفين وكيف سيؤثر التدريب على المنظمة أو يقوم بالحد من خفض تكلفة العمليات.

  • ممارسي الموارد البشرية ليس لديهم القدرة على قياس تكلفة عدم التدريب ولا على ربط غياب التدريب بخسائر الإيرادات، مما يؤدي إلى اعتقاد من قبل أرباب العمل أن نفقات التدريب هي عبئاً على أرباحها.

  • الاستفادة من ميزانية التدريب هو هدف قسم التدريب، لذلك فإن أي برنامج تدريبي هو أفضل من لا شيء.

  • يقوم التدريب بتحسين المهارات للعاملين غير الماهرين فور الانتهاء من الدورة.

كما اعتبر الدكتور السلمي انفصال التدريب عن عناصر ومكونات منظومة تنمية الموارد البشرية وتعاطي التدريب في جزئيات منفصلة ومتباعدة وعدم تكامله في ذاته كمنظومة من أهم أسباب تواضع نتائجه وآثاره.

نحن نعرف أن نجاح المنظمات يعتمد على الأفراد المتعلمين جيداً وذوي المهارات العالية، فلا يمكن أن نتنافس أو حتى ننجح إذا ما استثمرنا في مهارات الموظفين حيث تحتاج المنظمات التنافسية اليوم عمالة ماهرة قادرة على القيام بمهامها بما يتماشى مع أهداف الشركة المحددة بعناية، حيث لا يوجد مكان للاستراحة في سعي تلك المنظمات للمنافسة. فتطوير المعرفة لدى العاملين لا يتطلب عمليات تدريب جديدة ولكن أيضاً طرق جديدة للتفكير في التدريب.

إن المنظمات الناجحة هي التي تسعى من وراء تدريب وتطوير العاملين لديها لتحقيق أهدافها في النمو والتطور، فالأفراد هم الوسيلة لبلوغ المنظمة لأهدافها، لذلك لابد من تنمية وتطوير مهاراتهم وقدراتهم على نحو مستمر. وكما أشار البحث المقدم من شركة بيرسن ديلويت عام 2013 إلى أن مفتاح البناء والحفاظ على العاملين هو تطبيق استراتيجية التعلم المستمر.

لقد أصبح التدريب قضية رئيسية لكثير من المنظمات في كافة القطاعات نتيجة لتغير معايير الأداء بها والتي لم تعد قاصرة على مجرد تقديم الخدمة أو المنتج بل تخطته بالحرص على توفير الجودة والحفاظ على العملاء.

فبالرغم مما تتكبده المنشآت في تدريب العاملين، إلا أن العائد عليها من إيجاد موظفين مدربين ومحفزين يستطيعون النهوض بأعباء عملهم وتطوير أساليب العمل وتحقيق أعلى المستويات في الأداء، يفوق تلك النفقات المالية.


 الاختصاصات

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxالموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةإدارة الأداء
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/patterning-methodالاستقطاب والتوظيف
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/enhance-job-satisfactionالمزايا والتعويضات
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتتقنية معلومات الموارد البشرية

 الكتّاب

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxد. محمود المدهون
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxبندر بن عبد العزيز الضبعان
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةد.محمد عمرو صادق
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةمازن العمير
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/اعرف-نفسك-حدد-مسارك-المهنيآية الدغيدي

 أكثر المقالات قراءة

 

 

التعامل مع زخم المعلوماتhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتالتعامل مع زخم المعلومات
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةإدارة الإستثمار في الموارد البشرية

 أعلى المقالات تقييماً

 

 

إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
أفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتارhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/أفضل-بيئة-عمل----تعزف-على-جميع-الأوتار.aspxأفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتار
نظرة اقتصادية على دور الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةنظرة اقتصادية على دور الموارد البشرية

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/seven-responsibilitiesstring;#12.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/subordinates-performancestring;#11.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/development-of-subordinatesstring;#10.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/developmental-activitiesstring;#09.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/team-performancestring;#08.2018