البوابة السعودية للموارد البشرية

التدريب دون توجيه وإرشاد وقياس: حـرْقٌ للمال!

محمود العبدلي

 
الخميس 29 سبتمبر 2016

​​​

تعمل المنشآت جاهدةً لتطوير كفاءات ومهارات منسوبيها بشتّى الوسائل المتاحة، وتنفق وتستثمر مبالغ هائلة في سبيل ذلك. إلا أن مقياس الرضا عند تلك المنشآت عادةً لا يتناسب وحجم تلك الاستثمارات مع مخرجات البرامج التدريبية.

 

كذلك عادةً ما تعاني المنشآت من أن التدريب المقدم لم يحدث تغيّرًا كبيرًا في سلوك العامل ومهاراته وقدراته. وهو أمرٌ منتشرٌ لعدد كبير من البرامج التدريبية ولا يمكن تغافله ومعارضته، ومع ذلك، فإن المنشآت أغفلت جانبًا مهمًا وهو الدور الأساسي تجاه استمرار نتيجة التدريب والتعلّم حتى الإتقان. إن حضور العامل إلى دورة تدريبية ما هي إلا خطوة بسيطة وأوّليّة لعدة خطوات متتالية ومترابطة يجب الاهتمام والتركيز عليها بعد اجتياز البرنامج التدريبي.

 

ومن خلال التطبيق العملي والتجربة، نجد أن الحصول على نتائج مرضية من مخرجات التدريب على المنشأة يتطلب بذل الجهد في المراحل جميعها: قبل التدريب، خلاله، وبعده؛ ك​ما يلي:

 

قبل التدريب: تحليل الاحتياج الفعلي والعملي من التدريب، ليس فقط من خلال استقراء بعض المؤشرات أو الاستبيانات أو المقابلات الشخصية، بل من خلال النزول إلى ميدان العمل ومحاكاة العاملين في مواقع عملهم وأخذ الملاحظات التي من شأنها تحسين أداء عملهم مباشرة.

 

خلال التدريب: تصميم البرامج التدريبية بشكل يحثّ على إشراكهم في التدريب ليكونوا جزءًا منه من خلال التمارين العملية ولعب الأدوار وجلسات النقاشات والحوارات ودمجهم في محتوى المادة التدريبية، وكذلك عن طريق المحاكاة وتصميم ما يشابه فعلاً ما قد يواجهه العامل ودمجه في جو العمل. بل قد وصل الأمر حديثًا إلى التدريب بواسطة الألعاب أو ما يعرف بـالـ Gamifications، فتخيّل أن برنامج تدريبي متكامل قائم على أساس اللعب والمتعة والترفيه!! يجب الانتباه أنه حتى الآن لم نجنِ بعد ثمرة التدريب حتى وإن حضر العامل لبرنامج تدريبي متفاعل. الأهم دائمًا يكمُن فيما بعد ذلك.

 

بعد التدريب: توجيهم وإرشادهم وهو ما يعرف بـالـ Coaching ومتابعتهم عمليًا وميدانيًا لتطبيق محتوى التدريب خلال العمل، وتحسين الأداء والإنتاجية. وهنا تكمن الحلقة المفقودة، حيث أن مهمة التوجيه هذه، هي مهمة المدير المباشر الأساسية تجاه فريقه. فتخيّل معي أن يتم إرسال أحد أعضاء الفريق إلى برنامج تدريبي، ويعود محمّلاً بمعلومات ومهارات عديدة - قد لا يعلمها مديره - فمن سيتمكن من تقييم مدى التقدم في الأداء والإنتاجية؟ وكيف؟ كذلك كيف سيقوم بتوجيهه للاستفادة المثلى من التدريب وتطبيقه بشكل عملي صحيح؟ كل هذه الأسئلة - عادةً - تغيب عنها الإجابة في معظم البرامج التدريبية التقليدية! ومن الأدوات التي يمكن استخدامها كذلك، تصميم طريقة لمتابعة التطبيق عن طريق طرف محايد (إما أن يكون فريق عمل من داخل الشركة، أو إسناد المتابعة هذه إلى إحدى شركات التي تقدم مثل هذه الخدمة) لتدقيق ممارسات وكفاءات الموظف بعد التدريب على أرض الواقع. وتكون تلك الزيارات على نوعين: مخطط لها ومعروفة لجميع الأطراف ذات العلاقة، أو أن تتم الزيارة بشكل مفاجئ عشوائي دون سابق تخطيط أو إشعار.

 

والشيء بالشيء يذكر، علينا ألا نغفل عن الحقيقة الأساسية كون البرامج التدريبية ما هي إلا نوع من عدة أنواع كثيرة لطرق التدريب والتعليم والتعلّم. ويوجد غيرها من طرق التعلّم المختلفة ما قد يزيد من خبرة ومهارة وكفاءة العامل بشكل أسرع وجودة أعلى مثل المهمات الجديدة، المشاركة في المشاريع، النقل بين الأقسام والتدريب على رأس العمل. وبالرغم من ذلك، فلا يمكن إنكار أهمية البرامج التدريبية وأثرها ومردودها ولكن وجب التنويه عن الطرق الأخرى لاكتمال الصورة للقارئ.

 

ومن هنا، دائمًا ما أنصح وأكرر أن التدريب يجب أن يقف خلفه نية القياس وليس التقييم. بمعنى: كمختص في التدريب، مهمتك الأولى والأخيرة هو قياس مدى الفارق بين القدرات والكفاءات التي يمتلكها العامل، والعمل على تحسينها وتطويرها من خلال تقديم البرامج التدريبية الملائمة والمناسبة لهذا الاحتياج، ومن ثم المتابعة والسعي لخلق ثقافة التعلّم بالمنشأة من خلال التوجيه والإرشاد والتطبيق العملي والشرح والتوضيح واستخدام الأمثلة السهلة المدعمة بالحقائق والأرقام والإثباتات، والنصح المستمر والمتواصل من قبل المدير المباشر لأعضاء فريقه. أما التقييم فهي أداة أخرى - وإن ارتبطت بالتدريب ارتباطًا وثيقًا - إلا أن دخولها ضمن أجندة البرامج التدريبية تشكل خطرًا يهدد أجندة وفكرة التطوير والتدريب للقدرات والمهارات وتغيير السلوكيات، كما أن عملية التقييم محصلتها إصدار نتائج وأحكام هي خارج دائرة ونطاق التدريب. والحذر من الأدوات المؤقتة (والتي قد تعطي نتائج مؤقتة وغير مستدامة) مثل أن يتم إعطاء ورقة بها أسئلة تخصّ البرامج التدريبي في أول فترة التدريب، ثم يتم إعطاء نفس الورقة وبنفس الأسئلة آخر فترة التدريب، لتقييم مدى التقدم المعرفي (اللحظي) الذي حصل لحاضري التدريب. وفي الغالب الجميع كمتوسط تكون النتائج متدنية، ويرتفع هذا المتوسط في آخر الفترة. وهذا مؤشر خطير لأنه علميًا مدة استبقاء المعلومات تتلاشى تدريجيًا بعد مضي أقل من يوم واحد كحد أقصى! وعلى المنشآت الحذر من ذلك والبعد عنها، واستبدالها بالتوجيه والإرشاد المستمر على أرض الواقع وبشكل تطبيقي عملي عوضًا عن تلك الأداة اللحظية. 

 

وللخروج من هذا الفخ، على القيادات خلق ثقافة التعليم والتعلّم داخل المنشأة من خلال الأخذ على عاتقها والإيمان بأهمية التغيير وأن العملية هذه ليست بالبسيطة. كذلك من خلال اشتراك القيادات بالحضور لجلسات التدريب والاهتمام بها والتأكيد على ذلك لضرب أروع الأمثلة للتركيز على أهميتها، لخلق الرغبة الملحة في نفوس العاملين نحو التدريب والتطور والتعلّم المستمر. كذلك اشتراط تقديم برنامج مخصص ومصغّر لتدريب المدراء المباشرين حول كيفية توجيه العاملين ممن حضروا البرنامج التدريبي وكيفية متابعته وماهيّة الأدوات المستخدمة في تحسين وتطوير أدائهم وإنتاجيتهم والوقت المستغرق والمتطلب للوصول إلى درجة الرضا. كذلك على مقدمي خدمة التدريب لعب دورهم الأساسي من خلال التأكيد والتركيز أن التدريب بمفرده ليس حلاً سحريًا لتحسين القدرات والكفاءات، وعليهم كذلك البدء في تقديم أدوات تساعد المنشأة للتوجيه والإرشاد تختص بالمحتوى التدريبي المقدم منهم.

 

مما ذكر أعلاه، نلاحظ أن التعلّم عبارة عن رحلة لها مراحل ومحطات، الصبر فيها مجزٍ ومحقق لنتائج متقدمة عوائدها تستحق الاستثمار متى ما تم اتباع الطرق العلمية المعتبرة، ولعل من المناسب ذكره هنا أنه:

 

جميعنا لديه قابلية للتوجيه والإرشاد والتدريب، ما لم يثبت العكس. وكل شيء قابل للتعلّم، حتى وإن أبدينا معارضتنا له. ولأن التدريب بمفرده، ودون قياس وتوجيه وإرشاد ومتابعة، هو بمثابة حرق لأموال ينبغي نسيان عوائدها الاستثمارية؛ كما أن التدريب يجب أن يكون قابلاً للقياس وليس قابلاً للتقييم!

 


 الاختصاصات

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةالموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةإدارة الأداء
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/patterning-methodالاستقطاب والتوظيف
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتتقنية معلومات الموارد البشرية
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/هل-الموارد-البشرية-إدارة-استراتيجية-ام-تكتيكية؟التخطيط الاستراتيجي لإدارة الموارد البشرية

 الكتّاب

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةد.محمد عمرو صادق
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةد. محمود المدهون
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/أفضل-بيئة-عمل-تعزف-على-جميع-الأوتاربندر بن عبد العزيز الضبعان
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إسهامات-تكنولوجيا-الموارد-البشرية-في-رفع-كفاءة-المنظمةمازن العمير
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/اعرف-نفسك-حدد-مسارك-المهنيآية الدغيدي

 أكثر المقالات قراءة

 

 

التعامل مع زخم المعلوماتhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/التعامل-مع-زخم-المعلوماتالتعامل مع زخم المعلومات
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/Pages/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشرية.aspxإدارة الإستثمار في الموارد البشرية

 أعلى المقالات تقييماً

 

 

نظرة اقتصادية على دور الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/نظرة-اقتصادية-على-دور-الموارد-البشريةنظرة اقتصادية على دور الموارد البشرية
إدارة الإستثمار في الموارد البشريةhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/إدارة-الإستثمار-في-الموارد-البشريةإدارة الإستثمار في الموارد البشرية
أفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتارhttps://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/أفضل-بيئة-عمل-تعزف-على-جميع-الأوتارأفضل بيئة عمل .. تعزف على جميع الأوتار

 

 

https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/seven-responsibilitiesstring;#12.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/subordinates-performancestring;#11.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/development-of-subordinatesstring;#10.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/developmental-activitiesstring;#09.2018
https://www.saudihr.sa/Arabic/Articles/team-performancestring;#08.2018